الإثنين, 19 تشرين2/نوفمبر 2012 20:56

لماذا لا تطبق التعليمات؟

كتبه 
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

عندما تكون صاحب سلطة، إدارية أو أدبية، وترغب أن توجه سلوك الآخرين ضمن نطاق سلطتك بوجهات محددة، فإنك غالباً ما تصوغ هذا السلوك وفق تعليمات تضعها في عقلك، أو تنص عليها بشكل صريح لفظي أو كتابي، بل إن الكثير من الناس يحاول أن يعدل سلوك الآخرين لتوافق تعليماته التي يفضلها، ولو لم يمتلك السلطة التي تخوله بذلك!

 والموقف المثالي لصاحب التعليمات أن يرى الآخرين تلقوا التعليمات، واندمجت في معارفهم، والتزموا بها، وأصبحت هذه التعليمات قواعد ومعاير تحكم سلوك الآخرين في البيئة، لكننا نعلم أن أكثر المواقف ليست بهذا الشكل المثالي.

ولو افترضنا أن التعليمات توافق القيم والثقافة المشتركة بين صاحب السلطة والأفراد الآخرين ضمن السلطة، فإنه حتى في هذه الحال لا نتوقع أن يكون التزام الآخرين بها كاملاً، ولا يمكننا أن نلغي أثر اختلافات البشر في شخصياتهم وأساليب تعلمهم وقدراتهم المعرفية وغير المعرفية. والذي يقصد إلغاء هذه الاختلافات هو إنسان مثير للمتاعب، ويحاول الوصول للمحال.

وكثير من حالات ضعف الالتزام بالتعليمات ناتج عن عدم تعلمها، أي: عدم التوافق بين هذه التعليمات والمعارف السابقة لدى الأفراد، مما يؤدي إلى عدم اندماج التعليمات في أبنيتهم المعرفية، وبالتالي إلى عدم تحولها إلى جزء فاعل في تفكيرهم، مؤثر في حياتهم.

وفي حالات عدم التوافق بين معارف الفرد السابقة والمعارف الجديدة، يحاول الأفراد أحياناً بذل الجهد المعرفي والمعالجات الفكرية لحل هذا الإشكال والوصول إلى حالة التوافق، فيقومون بإعادة بناء شبكاتهم المعرفية بعد استدخال المعلومات الجديدة.

لكن هذا لا يحدث في كل الأحيان، فإذا لم يبذل الفرد هذا الجهد، ماذا سيحدث؟ يتوقع أن يتحول الموقف إلى إحدى حالتين:

الحالة الأولى ينتظر فيها الفرد أن تقوم السلطة أو الجهة التي قدمت التعليمات بحل الإشكال، بناء على افتراض أن السلطة لديها الخبرة الأكثر والمعرفة الأعلى، أو انتظار هذا الحل الجاهز من مصدر آخر لديه سلطة أو خبرة أعلى. وفي هذه الحالة قد يتم تلقي التعليمات وتطبيقها في الموقف المباشر، أو المواقف المشابهة، لكن من المستبعد أن تكون هذه التعليمات معارف فاعلة خارج هذه البيئة، ومن الطبيعيي أن تكون أقرب للنسيان، ولنأخذ على ذلك مثالاً: مطالبة الإدارة بعدم التدخين يعتبر بعض المرؤوسين أنها منع للتدخين أمام المدير، ويعتبر آخرون أنها منع للتدخين داخل هذا المبنى أو جزء منه، ويعتقد بعض المرؤوسين أنها فقط لوحة معروضة، لأن هناك تعليمات أعلى توجب وضع هذه اللوحة، خاصة إذا وجد آخرون يدخنون مع وجود اللوحة، منهم بعض المسؤولين في الإدارة. وقد لوحظ بعض المدخنين العرب يلتزمون بالامتناع عن التدخين في مباني السفارات والمراكز التابعة لإدارات أجنبية غربية، ولا يلتزمون بذلك في المباني العامة التابعة لإدارت عربية. وكل هذه النماذج من الأفراد لا تعتبر التدخين يتعارض مع المفهوم الشامل للسلامة والصحة، ولا تراه موضوعاً يستحق أن يفكر الإنسان فيه أو يدرسه في عقله ليصل إلى قرار حاسم بشأنه بعد معالجات معرفية كافية.

الحالة الثانية من عدم التوافق يلاحظ الفرد فيها أن معارفه السابقة غير مناسبة للتعامل مع التعليمات الجديدة، ويرفض بذل الجهد للتكيف معها، ويرفض كذلك انتظار حل الإشكال من الجهات الأخرى، وربما يكون سبب هذا الرفض هو وجود تجارب سابقة فاشلة لدى الفرد في التعامل مع التعليمات القادمة من السلطة، مثل حالات عدم الثقة بالسلطة أصلاً، التي يختار فيها الفرد عدم تلقي التعليمات ابتداء.

هاتان الحالتان قد تشملان معظم حالات ضعف الالتزام أو عدمه، وعلى من يريد تعديل سلوك الآخرين من خلال ما يطلبه من تعليمات أو يحاول تغييره من عادات، عليه أن يسهل على الآخرين فهم رسالته، وعملية التواصل معه، ويمكن لذلك أن نقترح الإرشادات الآتية لصياغة أي تعليمات:

  •  أن لا تكون التعليمات المقدمة كثيرة بحيث تصعب الإحاطة بها.
  • أن تكون التعليمات المقدمة مبررة منطقياً وواقعياً.
  • أن يلاحظ واضع التعليمات أي التعليمات أكثر عملية وسهولة في التطبيق.
  • أن تؤكد وتكرر بعض التعليمات التي تعتبر أكثر أهمية من سواها.
  • أن يعطى المتلقي فرصة للفهم والمعالجة المعرفية.
  • أن يعطى المتلقي فرصة للتطبيق واختبار النتائج.
  • أن يستخدم واضع التعليمات الحوار قبل وضع التعليمات وقبل إقرارها.
  • أن ينشط تفكير المتلقي بقيمة التعليمات وأهميتها.
  • أن يتأكد واضع التعليمات من تطبيقها في حضوره وفي غيابه.
إقرأ 3945 مرات آخر تعديل على الأربعاء, 21 تشرين2/نوفمبر 2012 09:44
د. عامر الغضبان

  • متخصص في علم النفس التربوي
  • باحث في الفكر الإسلامي وواقع المجتمع العربي
  • مرشد تربوي
  • شارك في تحقيق عدة كتب منها مسند الإمام أحمد، شرح مشكل الآثار للإمام الطحاوي، تهذيب الأسماء واللغات للإمام النووي، الصحيح الجامع (صحيح البخاري)، هدي الساري (مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني) من نشر مؤسسة الرسالة العالمية
  • محرر قسم نفساني (Nafsani.com) في بوابة الخيمة العربية

FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed