الإثنين, 19 آذار/مارس 2012 16:34

الدولة والجسد في مقدمة ابن خلدون

كتبه  علي الديري
قييم هذا الموضوع
(1 تصويت)
كفي ابن خلدون شرفاً، أنه جعل جملة “الدولة جسد” مفهوماً يحيل إلى الاجتماع لا إلى الانعزال، أي يكفيه أنه جعلنا نفهم الدولة لا بعقل الفيلسوف المنعزل في برجه العاجي الذي يحلم بمدينة الخير المثالية، بل بعقل المؤرخ الاجتماعي الذي يعيش في مدينة تحكمها تناقضات القوة والضعف، والفتوة والهرم، والحضارة والبداوة، والصحة والمرض، والعمران والخراب.
بقدر ما نحسن فهم جملة “الدولة جسد”، نفهم مقدمة ابن خلدون، ونفهم جدل تناقضاته، ونفهم سر عظمته، وسبب راهنيته. فما الذي تختزله هذه الجملة؟

إنها تختزل الطريقة التي كان يرى من خلالها ابن خلدون موضوعه، سواء كان الدولة كما ذهب طه حسين أو العصبية كما قال ساطع الحصري أو البداوة والحضارة وما يقع بينهما من صراع، كما يقرر الوردي. يبقى مفتوحاً سؤال إلى أي الموضوعات تشير مقدمة ابن خلدون:”ونحن الآن نبين في هذا الكتاب ما يعرض للبشر في اجتماعهم من أحوال العمران في الملك والكسب والعلوم والصنائع بوجوه برهانية يتضح بها التحقيق في معارف الخاصة والعامة، وتدفع بها الأوهام وترفع الشكوك”([1])
كان ابن خلدون يرى ما يعرض للبشر في اجتماعهم من عصبية وعمران ودولة، بآلية الشاهد والغائب، “كان الشاهد لديه الطبيعيات والطبيات والجسد الإنساني بأعضائه وأحشائه فاتخذها أصلا قاس عليه، وكان الغائب العمران البشري والاجتماع الإنساني بما فيه من عصبية وحسب ونسب ومدن وبوادٍ فرعاً مقيساً. وهذا القياس هو ما جعله شهيراً في مختلف العصور”([2])

نرى الغائب من خلال الشاهد. بقدر ما نحسن اختيار الشاهد والتصرف به تصرفاً يطوعه ليكون أداة رؤية، نبدع في ابتكار الغائب. كانت مقدمة ابن خلدون مبدعة ومبتكرة للعمران البشري والاجتماع الإنساني وما يتقوم بهما من عصبية وحسب ونسب ومدن وبوادٍ. كانت مبدعة بتصرفها في الجسد الشاهد. وهذا ما جعل ابن خلدون متمايزاً عن جميع من كان يوظف آلية الشاهد والغائب من علماء كلام وفقهاء ومناطقة وفلاسفة. كيف تصرف ابن خلدون في (جسده) على غير تصرف من سبقه؟


في تصرف ابن خلدون، الدولة جسد، والجسد يكون بقدر ما تكون قوته، ويفنى حين يفقد قوته، كان ينظر إلى الدولة من خلال الجسد، الجسد هو الأكثر واقعية، لأنه الأكثر تعرفا من قبل جميع الحواس، هو كان ينظر من هذا الأكثر واقعية للدولة، لذلك لا عجب أن كان ابن خلدون أكثر واقعية في فهمه للدولة من غيره من الفلاسفة والعلماء الذين كان يحلمون ويؤمثلون (يضعون تصورات مثالية كالفارابي). ابن خلدون كان يرى في القوة التي هي قوام الجسد، حقيقة الدولة، كان مشغولاً بفهم قوانين هذه القوة، تماما كانشغال الطبيب بقوانين قوة الجسد، كيف هو واقع الجسد؟ كيف يولد؟ كيف ينمو؟ كيف يقوى؟كيف يضعف؟ كيف يمرض؟ كيف يهرم؟ كم عمره الافتراضي؟ كيف يكون في قوته وضعفه ومرضه وصحته؟

كانت هذه الأسئلة تشغل ابن خلدون، إلا أن الجسد الذي كان يعالجه بأدواته هو الدولة. وفي الحقيقة كان يوظف خبرته الطبية في فهم جسد الدولة، وكثيرا في مقدمته ما كان يحيل إلى أبقراط وجالينوس ويعرض مادتهم الطبية، ونظرياتهم في تكوين طبيعة الجسد واعتلالاته، ويتخذ من هذا النموذج الطبي منظارا له لفهم جسد الدولة.

كان يفهم كيمياء الدولة من خلال كيمياء الجسد، ومعرفة هذه الكيمياء كانت مدينة إلى الطب الوسيط الذي يتأسس على العناصر الأربعة (الماء والهواء والنار والتراب) والأخلاط الأربعة (الصفرة والدم والبلغم والسوداء) والطبائع الأربع (الحار والرطب والبارد واليابس) للجسد. بهذه المعرفة الطبية، راح ابن خلدون يؤسس معرفته العمرانية، لفهم الدولة والعصبية وجدل البداوة والحضارة. كيف تتفاعل هذه الرباعيات في الجسد؟ وكيف يغلب بعضها بعضاً؟ وكيف يقضي بعضها على بعض؟

واقعية ابن خلدون يمكن تفسيرها، بأنه كان ينظر إلى الدولة ليس من السماء، ليس من العقل، ليس من المثال، ليس من الروح بل من الأرض من القوة من المادة من الجسد الذي هو الأقرب إلى الأرض التي هي حضن الدولة. لذلك فالتعاون في الدولة منشؤه الضروري الأرضي وهو القوت، لا الكمالي المثالي كما يرى الفارابي بشاهده.

في نظر أخوان الصفا الدول تدور في الأرض على منوال ما تدور الأفلاك في السماء. وفي شاهد (الجسد) ابن خلدون الدول تدور في الأرض على منوال أطوار جسد الإنسان من فتوة وكهولة وهرم. أي تدور الدول عند أخوان الصفا كما تدور أفلاك ما فوق القمر، وتدور الدول عن ابن خلدون كما تدور أجساد ما تحت القمر.


كان من نتيجة اعتماد آلية (الجسد)الشاهد أنه أعلى من شأن المنطق الحسي لفهم الأمور الاجتماعية والسياسية، وخفف من وطأة المنطق الأرسطي العقلاني المجرد الذي كان يصلح لبحث الأمور القياسية كالهندسة والحساب، وخفف من سطوة المنطق الكشفي الذي كان يصلح للبحث في الأمور الإلهية والروحية([3]).صارت الدولة والعمران من اختصاص المنطق الحسي.

الدولة هي نموذج الجسد، أي هي ما نتعالى عليه ونترفع وننكره باسم ما هو روحي، ألسنا ننكر القوة والقهر والغلبة باسم الهمجية والحيوانية؟ وهي كلها مقتضيات الجسد، وهي مقتضيات الدولة، ما يشكل الدولة هو مقتضيات الجسد. وآثار الغضب والحيوانية التي هي مقتضيات الجسد هي ما يصدمنا حد الإنكار، لا يمكن أن يكون الإنسان من غير جسد، ما هو ضروي هو ما يصنع الدولة، هو قوامها. ما ننكره هو الضروري، هو الدولة، هو ما يتحكم فينا هو ما يقهرنا ويغلبنا ويجمعنا. الدولة هي القوت.

والقوت هو ما ينشئ السوق “إن الدولة والسلطان هي السوق الأعظم للعالم، ومنه مادة العمران”([4]) لا ينشأ السوق بدون دولة، بدون قوة بدون عمران، بدون اجتماع، بدون جسد. السوق يحتاج إلى قوة تحميه وتؤمن له تداولاً مستقراًً. الدولة هي السوق الأعظم للعالم، لأن العالم يعمر بالسوق، ويعظم بالسوق، ويقوى بالسوق.

ليس لدى ابن خلدون نظرية في إصلاح الدولة، لكن لديه نظرية في إصلاح نظرتنا للدولة، ونظريته تتمثل في تصرفه في الشاهد (الجسد ) ليجعله وسيلة لرؤية العمران والعصبية والقوة والدولة. لقد تصرف أخوان الصفا والفارابي وابن رشد وأفلاطون وابن سيناء بشاهد (الجسد) لكنهم لم يشاهدوا منه ما شاهده ابن خلدون، رأوا فيه روحاً تعلو نحو السماء، وهو رأى فيه قوة تدنو نحو الأرض، فراح يتقصى أوديته الأرضية وجباله وحواضره وبواديه، فصار عنده جسد للبادية، وجسد للحاضرة، أي عمران للبادية وعمران للحاضرة.

بهذا يمكننا أن نفهم، كيف فهم ابن خلدون سنة الله في الذين خلوا من الدول “لما كانت حقيقة المُلك أنه الاجتماع الضروري للبشر، ومقتضاه التغلب والقهر اللذان هما من آثار الغضب والحيوانية، كانت أحكام صاحبه في الغالب جائرة عن الحق، مجحفة بمن تحت يده من الخلق في أحوال دنياهم، لحمله إياهم في الغالب على ما ليس في طوقهم من أغراضه وشهواته، ويختلف ذلك باختلاف المقاصد من الخلف والسلف منهم، فتعسر طاعته لذلك، وتجيء العصبية المفضية إلى الهرْج والقتل. فوجب أن يرجع في ذلك إلى قوانين سياسية مفروضة يسلمها الكافة وينقادون إلى أحكامها كما كان ذلك للفرس وغيرهم من الأمم. وإذا خلت الدولة من مثل هذه السياسة لم يستتب أمرها، ولا يتم استيلاؤها: “سنة الله في الذين خلوا من قبل”([5]).


قوانين السياسة تروض جسد الدولة، لتوجه قوة هذا الجسد نحو العمران، بدون هذه القوة لا يعود للقانون معنى، القانون ليس متروكاً لقوى الخير ولا لتمنيات الفلاسفة وكمالاتهم ولا لينبغيات الوعاظ، بل هو مرهون بقوة الجسد، قوة العصبية، قوة النسب.

حين نقول اليوم إننا نفهم الدولة بأنها جسد ونفهم الحقول المختلفة في الدولة بالإحالة على الجسد فنقول: الجسد الصحفي، الجسد الطلابي، الجسد القضائي، الجسد الاجتماعي، فإننا كأننا نقول قالت مقدمة ابن خلدون.

المراجع
[1] ) مقدمة ابن خلدون.

[2] ) محمد مفتاح، رؤيا التماثل، ص107.

[3] ) علي الوردي، منطق ابن خلدون، ص66

[4] ) مقدمة ابن خلدون، ص261

[5] ) مقدمة ابن خلدون، ص177
المصدر: www.akhbar.khayma.com
إقرأ 5656 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 25 أيلول/سبتمبر 2012 08:32
FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed