الجمعة, 31 آب/أغسطس 2012 11:11

الاغاثة الزراعية في مواجهة الحرب الاستيطانية

كتبه  خالد منصور
قييم هذا الموضوع
(0 أصوات)

e-green-landمع الحراك الفلسطيني الجاري على المستويين الرسمي والشعبي حول موضوع الاستيطان، وضرورة حشد أوسع الجهود في المعركة لوقفه والتصدي له على طريق اجتثاثه من جذوره.. ومع إطلاق الحملات المختلفة لمقاطعة منتجات المستوطنات ( كما تريد السلطة الوطنية ومقاطعة عموم المنتجات الإسرائيلية التي لها بدائل كما تريد الحملات الشعبية ).. هناك سؤال هام يقفز دائما في أذهان الجميع..

 

وهو لماذا لا يتوقف عمالنا الفلسطينيون عن العمل في المستوطنات.. ؟؟ وهو سؤال بمثابة تحد لكل الجهات الفلسطينية الرسمية والشعبية.. لان الجميع يدرك أن قرارا بوقف العمل في المستوطنات– يعني في الواقع الحالي الفلسطيني– تحويل 30 ألف عامل فلسطيني إلى عاطلين عن العمل ( وهو الرقم الذي تتحدث عنه أو حوله مختلف المصادر ) .. لكن هل مسموح لصناع القرار أن يقفوا مكتوفي الأيدي وعاجزين عن إيجاد حل لهذه المعضلة الوطنية..؟؟ أم أن أهمية الموضوع تتطلب الإسراع بالقيام بالدراسات والأبحاث الجدية، والبحث عن حلول ناجعة تغلق هذا الموضوع.

ولان الإغاثة الزراعية كانت على الدوام واحدة من الجهات الوطنية المطلوب منها تحمل مسئولياتها في مواجهة هذا التحدي بل ولأنها من ابرز العاملين على الأرض وباحتكاك مستمر مع الاستيطان وتخوض ببرامجها ومشاريعها صراع محموم معه.. فإنها تطرح اليوم– وكما كانت طوال السنين السابقة– البديل العملي الواقعي والناجح لحل معضلة العمل في المستوطنات، وهي اليوم تقدم للدلالة على ذلك نموذجا مشرقا مضيئا من ضمن عشرات النماذج التي حققت من خلالها النجاح في توقف مئات العمال الفلسطينيين عن العمل في المستوطنات .. انه نموذج بلدة طمون الوقعة شرقي بلدة طوباس وعلى بعد حوالي 23كلم شمال شرق مدينة نابلس.
فلم يكن صدفة اختيار الإغاثة الزراعية لبلدة طمون كي تنفذ فيها مشروعا تنمويا ضخما.. بل كان بناء على دراسة وتفكير عميقين للزمان وللمكان ولطبيعة السكان.. فالزمان كان إبان الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي لجأت سلطات الاحتلال إلى محاولة قمعها وإغراقها بالدماء مستخدمة كل أساليبها الجهنمية ومنها إغلاقها لسوق العمل الإسرائيلي في وجه العمال الفلسطينيين مما تسبب بتحويل مئات آلاف العمال إلى عاطلين عن العمل .. وكانت طمون مثالا بارزا على تلك الحالة من البطالة.. والمكان هو طمون البلدة الواقعة على أطراف الأغوار ( شفا غورية ) بمساحة إجمالية قدرها 98 ألف دونم، وعلى ارتفاع 370 متر عن سطح البحر، والممتدة أراضيها حتى نهر الأردن، والتي صادر الاحتلال أو أغلق معظم أراضيها في بدايات سنوات الاحتلال ( 60 ألف دونم )، وأقام عليها مستوطنات ( روعيت وبقعوت ).. وحيث قامت قوات الاحتلال في العام 2003 بحفر خندقين تعسفين على أرضها: الأول في عرض سهل البقيعة بطول أكثر من كيلو ونصف وبعمق يتراوح من ستة حتى سبعة أمتار، والثاني يمتد إلى أكثر من سبع كيلو مترات من بداية السهل وحتى حاجز الحمرا،.

لتعزل بهما السكان عن أراضيهم.. ولم يبق الاحتلال لأهالي طمون سوى 38 ألف دونم من الأراضي البعلية– منها 20 ألف من الأراضي السهلية الصالحة لزراعة الخضار وكل الزراعات الأخرى فيما لو توفرت المياه الكافية للزراعة، وكذلك 18 ألف دونم من الأراضي الوعرة– بينها 10 آلاف دونم صالحة لزراعة الأشجار.. وبسبب عدم توفر المياه والجدوى المتدنية للزراعات الحقلية، فقد هجر عدد كبير من الفلاحين الأرض، واختاروا العمل في إسرائيل أو في المستوطنات الواقعة في غور الأردن، وقامت أعداد منهم بتأجير أراضيها بمبالغ بخسة إلى مزارعين آخرين من خارج البلدة للاستفادة منها…. أما السكان فقد عرفت الإغاثة الزراعية أن أهالي طمون– البالغ عددهم 12 ألف مواطن– هم من المزارعين الأكثر خبرة في فلسطين، والأكثر جلدا واستعدادا لخدمة الأرض– فيما لو تيقنوا من جدواها الاقتصادية.. كما ووجدت الإغاثة الزراعية أن أعدادا كبيرة من سكان طمون يمتلكون خبرات زراعية متقدمة جدا، نتيجة لعملهم في المستوطنات الإسرائيلية، حيث تعلموا هناك استخدام التكنولوجيا الزراعية، والأساليب العلمية الحديثة في مجال الزراعة، وقد بلغ عدد العاملين في المستوطنات من سكان بلدة طمون حتى نهاية عام 2007 حوالي 450 عاملا من النساء والرجال ومن الفتية..
وانطلاقا من رسالتها الوطنية التنموية، ومع توفر التمويل اللازم شرعت الإغاثة الزراعية بتنفيذ المشروع الذي يمكن تصنيفه ضمن مشاريع توفير سبل العيش المستدام للأسر الفلسطينية، ولم يغب عن بال الإغاثة الزراعية أبدا الهدف الوطني الكبير وهو تعزيز الصمود والتصدي لغول الاستيطان.. فالإغاثة الزراعية التي اختارت الأرض ميدانا لعملها وهدفا رئيسيا من أهدافها، وأعلنت منذ انطلاقتها في العام 1983 أنها تستهدف الأراضي المهددة والمتضررة من الاستيطان، كانت تعلن بذلك حربا مكشوفة على المستوطنات، لتحاصرها باستصلاح الأراضي حتى أسلاك المستوطنات، وتشق الطرق الزراعية لتوصل المزارعين إلى كل الأراضي، وتحفر آبار المياه لتحول الأراضي الجرداء والغير ذات قيمة اقتصادية، إلى أراض خضراء تنتج الخيرات الوفيرة.. وبذلك تفتح أمام آلاف العمال فرصة للعمل في ارض فلسطينية، بدلا من العمل في المستوطنات وفي المساهمة في تطوير تلك الأجسام الغريبة وترسيخ وجودها اللا شرعي.
والبداية في طمون حصلت في العام 2006 عندما توجه عدد من أصدقاء الإغاثة الزراعية ومتطوعيها، وخصوصا في جمعية طمون التعاونية للزراعات المحمية، ليطلبوا من الإغاثة الزراعية تقديم ما يمكن من مشاريع تفيد المزارعين وتخرجهم من حالة الفقر التي يعيشونها، فما كان من المؤسسة إلا أن وافقت، وأرسلت على الفور عدد من مهندسيها ليدرسوا على الأرض احتياجاتها وأولويات بلدة طمون التنموية، وكانت حصيلة الدراسة تفيد بان هناك آفاق كبيرة للنجاح في طمون، في مجال تمكين المزارعين وتعزيز قدراتهم إذا ما أقدمت الإغاثة الزراعية على المساعدة في إيصال المياه إلى السهول الواقعة حول البلدة، فهناك ارض خصبة جدا وصالحة بكل المعايير لزراعة الخضار والأعشاب الطبية، وهو ما أكدت عليه تجارب بعض المزارعين الذين كانوا يزرعون في المنطقة ذاتها داخل البيوت البلاستيكية القليلة، والذين كانوا يؤمنون المياه لأغراض الزراعة بنقلها بواسطة تنكات المياه، الأمر الذي كان يكلفهم أموالا طائلة.. ومع بداية عام 2007 بدأت الإغاثة الزراعية تنفيذ مشروعها الكبير، والذي هو عبارة عن مد خطوط مياه بطول 5 كيلومتر من مصدر للمياه يقع شرقي البلدة ويتغذى من بئر مياه في منطقة واد الفارعة..

ومع انطلاق شارة البدء بتنفيذ المشروع حلت روح التفاؤل بأوساط واسعة من المزارعين وأصحاب الأراضي، وبدأ الأمل يكبر عندهم بان يأتي اليوم الذي يستطيعون فيه إقامة مزارع نموذجية، تخرجهم من حالة الفقر وتشعرهم بالاستقرار.. وقد جرى الانتهاء من تنفيذ المشروع بزمن قياسي– يعود للتعاون الوثيق بين مهندسي الإغاثة الزراعية وبين أعضاء اللجنة المحلية للمشروع– وفي مقدمتهم مندوبي جمعية طمون التعاونية للزراعات المحمية.. ووصلت المياه بالأنابيب إلى أراض لم تعرف الزراعات المروية أبدا، وفي غضون شهور قليلة أقيم على الأراضي الجديدة 435 بيت بلاستيكي أقامه المزارعون من أصحاب الأراضي ( وهذا إضافة إلى 65 بيت بلاستيكي كانت موجودة سابقا ) ليصبح اليوم في أراضي طمون حوالي 500 دونم من البيوت البلاستيكية، تتغذى جميعا وبشكل دائم ومنتظم من شبكة المياه التي أوجدها المشروع كما ورويت 500 دونم أخرى بالمياه، وبفضل دورات التدريب والتأهيل الملحقة بالمشروع، وبجهود حثيثة من قبل خبراء ومهندسي الإغاثة الزراعية، بدأت الأرض تنتج خيرات لم تنتجها سابقا– كالإعشاب الطبية، والبندورة العنقودية، والفلفل الملون، والتوت الأرضي، إضافة إلى كل أنواع الخضار الأخرى، والتي وجدت لها أسواقا في مناطقنا الفلسطينية وحتى داخل إسرائيل، الأمر الذي حقق للمزارعين أرباحا ممتازة، وشجعهم أكثر على تطوير زراعاتهم، كما وشجع جمعية طمون التعاونية للزراعات المحمية– التي تتولى الآن الإشراف على المشروع– جعلها تقوم بزيادة طول شبكة المياه ليصل طولها إلى 9 كيلومترات.
لقد أتاح المشروع الفرصة ل 300 عائلة من سكان بلدة طمون لتامين سبل عيشها المستدام، ومن بين تلك العائلات عائلات تتولى نساء أرامل وزوجات شهداء مسئولياتها الكاملة حيث يقمن بأنفسهن ومباشرة بالإشراف على مزارعهن الخاصة والعمل بها ويحققن لأبنائهن مصدر رزق كريم جيد بل وممتاز في كثير من الأحيان، وكذلك أتاح المشروع وتوابعه الفرصة ل 50 عاملا للعمل باجر حيث هناك اليوم مصنع للتعبئة وحوالي 8 شاحنات لنقل الإنتاج و 3 محلات تجارية لبيع الأسمدة والعلاجات الزراعية ..
وبقراءة أخرى للمشروع يمكن القول انه يعتبر نموذجا متقدما في مسيرة التنمية والعطاء وتحققت من خلاله جملة من الأهداف في مقدمتها المساهمة في حصار المستوطنات الإسرائيلية الجاثمة على أرضنا الفلسطينية قسرا.. حيث أن 250 عاملا من العاملين الدائمين في المشروع كانوا يعملون سابقا في المستوطنات الإسرائيلية وهم الآن قد تركوا ذلك العمل وعادوا للعمل بأرضهم محافظين على كرامتهم الوطنية ومصممين أكثر على النجاح.. وهذا يعني أن عدد العمال الذين كانوا يعملون من أبناء بلدة طمون في المستوطنات قد انخفض من 450 عاملا إلى 200 عامل فقط.. إن ذلك يعطي جوابا على السؤال الوطني الكبير كيف نوقف العمل في المستوطنات.. إن مشروع طمون يطرح البديل الممكن والواقعي للعمل في المستوطنات الأمر الذي من المفترض بالحكومة الفلسطينية وبسائر المؤسسات الأهلية وبالقطاع الخاص أن يفكروا بمثل ما فكرت به الإغاثة الزراعية وان يقيموا المشاريع الاقتصادية وخاصة الزراعية التي من خلالها يمكن حماية الأرض وتعزيز صمود الشعب وتقوية الاقتصاد الوطني وإيجاد حلول لآفة البطالة ولمشكلة العمل في المستوطنات.
ومن الجدير بالذكر أن الإغاثة الزراعية الفلسطينية وضعت الخطط– وهي الآن على وشك البدء بتنفيذ مرحلة جديدة من المشروع تشمل إيصال المياه إلى منطقة سهل عاطوف شرقي بلدة طمون وهو سهل خصب جدا تبلغ مساحته آلاف الدونمات يقع بمحاذاة مستوطنة بقعوت الإسرائيلية المقامة على ارض تابعة لبلدة طمون..

ومن المتوقع أن تتغير طبيعة الحياة في منطقة عاطوف كليا مع وصول المياه الخاصة بالزراعة– حيث سيكتسي السهل حلة خضراء على مدار العام.. وستعلوه عمامة بيضاء– هي عبارة عن البيوت البلاستيكية– التي من الممكن أن يصل عددها إلى حوالي الألف بيت بلاستيكي.. الأمر الذي يعني أن كل عمال طمون سيتركون العمل في المستوطنات، وستتاح الفرصة حتما لعمال آخرين– من قرى أخرى كانوا يعملون في المستوطنات– ليعملوا في المشاريع الزراعية المتوقع إقامتها في ارض سهل عاطوف، وخصوصا إقامة مزارع حديثة للعنب، تضاهي بل وتفوق جودة واتقانا مزارع المستوطنين– نظرا لان معظم العمال هم من بين الذين اكتسبوا خبرات عالية أثناء عملهم السابق في المستوطنات الزراعية الإسرائيلية.
المصدر : www.maktoobblog.com
إقرأ 3710 مرات آخر تعديل على الثلاثاء, 25 أيلول/سبتمبر 2012 08:32
FacebookMySpaceTwitterDiggDeliciousStumbleuponGoogle BookmarksRedditNewsvineTechnoratiLinkedinRSS Feed